domingo, 25 de abril de 2021

المغرب للجزائريين حبيب / الجزء العاشر

المغرب للجزائريين حبيب / الجزء العاشر

الرباط : مصطفى منيغ

ينتظرني وجدته بمدخل المؤسسة ، فطلب مني مرافقته إلى البيت ، لأستمع إليه بإمعانٍ يقول : "حدثوني بما يملكون عنكَ من معلومات ، ومع ذلك لم أقرِّر مقابلتكَ حتى استمع (على انفراد) التسجيلات الكاملة لمسلسلكَ "الشيطان" وأخيراً اقتنعتُ أنَّني وجدتُ المدخل الرئيسي لإنجاز ما كُلِّفتُ به على الوجه الأكمل المُتَّجه صوب ضمان عالمية انتشاره وإن اعتمد اللغة العربية كنص . حتى أضعكَ أستاذ مصطفى منيغ في الصورة بكامل التفاصيل أبدأ من البداية ، لقد اتصل بي صديقي العزيز وزير العمل "المعزوزي" وطلب مني الإشراف الفعلي على عملٍ مسرحي ضخم أطلقَ عليه الرئيس "هواري بومدين" شخصياً عنوان "المسيرة الحمراء" لمواجهة مسيرة الملك الحسن الثاني الخضراء إعلامياً ، بوسائل تعبيرية تجزم أن الجزائر في رفضها محاولة المغرب الهجوم واحتلال الصحراء الغربية على حق والمغرب على باطل ، طبعاً في سياق حكاية خارجة عن المعتاد ، تُؤرِّخ بحرية مزج الإحداث بالمناسب من المواقف المعارضة المقصودة سياسيا لنصرة الطَّرح الجزائري ، المبني على رؤية السيد الرئيس في جعل تلك المنطقة الخاضعة للنفوذ الاسباني ، بين يدي أصدقاء الجزائر الصحراويين ، الراغبين في تأسيس دولة خاصة بهم ، تكون على وفاقٍ تامٍ مع الجزائر مهما كانت المجالات ، في إطارٍ من التَّدبير المشترك ، المُنتهي أجلاً أو عاجلا ً بوحدة الطرفين (الجزائري / الصحراوي) لصالح المنطقة . تعلم صديقي منيغ أنني لا أتقن العربية  ، حتى كلامي معكَ في مجمله يتمّ بالفرنسية ، لذا المطلوب منكَ كتابة النص باللغة العربية ، بتقنية الحوار المسرحي الذي لك فيه ما تُبدع بشهادة الكثير من الإخوة المهتمين بفن التمثيل والإخراج المسرحي ، طبعاً سأزوّدكَ ببعض الأفكار ، خاصة ما يجسِّم منها الرَّغبة الجزائرية الرسمية بإبراز أحقية الجزائر في إبطال طموح الملك المغربي المندفع لوضع يده على بقعة أرضية إستراتيجية الموقع ، بهدف قطع الطريق على طموحات الدولة الجزائرية مستقبلاً ، وما تسعى إليه من توحيد أجزاء محورها الجزائر العظيمة القوية الغنية ، فما رأيك؟ . أجبته بكلمات أربعة وحرفين:"سأفكِّر في الموضوع وأردُّ عليك . حاول إبقائي لسماع أي تعليق عمَّا ذكره ، لكنني اعتذرتُ عن تلبية ما يريد ، بل طلبتُ منه السماح بالانصراف لموعدٍ المفروض أن احترمه مع مدير الإذاعة والتلفزة الجزائرية بعد نصف ساعة من تلك اللحظة .

... كنتُ قاسياً جداً مع "كاتب ياسين" بذاك التصرُّف الجاف ، حتى لا يظن أنني سهل المنال ، متسامح مع أي محاولة تعكِّر لي البال ، حينما أُخَاطَبُ من بُرجٍ ممَّن بصوته المتعجرف عليَّ أطَلّ ، داخل بيت شممتُ فيه رائحة التسجيل عن بُعد وسمعتُ  وَقْعَ أصواتِ أزرارٍ حالما تُضْغَطُ بأنامل أصحابها غابت عليهم ، أنّ وضعية المسافة الضيّقة المدى ، تقرب إحساس المَعْنِي داخلها ، بما يُبْذَل في الخفاء لغير صالحه ، لهذا أراد "كاتب ياسين" ان يتمَّ اللّقاء بيننا في بيته وليس في أيّ قاعة من قاعات المؤسسة المتاحة لنا نحن الاثنين . ما طَرَحَهُ عليَّ يُبْقِي إقامتي في الجزائر محفوفة بمخاطر لا حصر لها ، من جوانب لا تغيب عن الساكن في كيانه عشق المغرب / الوطن ، حقيقة كنتُ قي مستوى مواجهة جهاز المخابرات الجزائرية الراغب بأكثر من طريقة الالتفاف حول أهمّ رغباتي قبل اختياراتي ليستعدَّ مُسبقاً ، متى وقعتُ في الفَخَّ استفاد من إقناع الرئاسة بصدقية شكوكه في أمري ، منذ الآونة التي حقَّقتُ فيها ، وبسرعة فائقة ، أن أكون رقماً في معادلة النشاط الفكري الجزائري بمجمله ، خاصة في الوسط الإعلامي ومركزه الرسمي ، هذا من جهة أما الثانية تتلخص في أمرين إحداهما الامتثال المُقارن بالدليل لما يُطلبُ مني مباشرة أو بوسائل غير مباشرة ، يصبّ في الانحياز التام للطرح الجزائري ضمن  إطار تخصصي المهني ، وثانيهما بيع مبادئي ، والتزاماتي مع ضميري ، فلانسجام المادي ما دامت السياسة المتَّبعة في ذاك المقام / الدولة  بغير روح تُحَرِّكُ وتتحرَّكُ بمُفَاعِلٍ طاقته الوحيدة عبيد نظام منتظم على كلمة صادرة من رئيس وكفى ، ومع الوضعيتين الاثنتين أكونُ خاسراً نفسي أولاً، وجنسيتي ثانياً، ومقامي المتدحرج سيكون لمستنقع يبلع مَنْ وسطه يَقَع، بالنسبة للجزائريين المتيقنين أن الخائن وطنه خائن لأوطان غَيره، فالأحسن اتِّقاء شرِّه. (يتبع)

مصطفى منيغ

سفير السلام العالمي

 

المغرب للجزائريين حبيب / الجزء التاسع

المغرب للجزائريين حبيب / الجزء التاسع

الرباط : مصطفى منيغ

قد تلعب بعض الصدف ، دور المنبّه وإن كان عابراً يظل رنينه دون توقُّف ، أو من تأثيرات الإزعاج محذوف ،  يمتحن تصرّف المتعرِّض لإحداها في مستوى اليقظة من ضربات  سيف ، أو الانحناء مضيِّعاً من حيث الكم والكيف ، ما زرعه مخالفاً للعُرف ، تحت ضغط الخوف ، من مجهولٍ حاضرٍ غائبٍ غير معروف ، مجرّد لحظة من قياس ثانية تجمِّد الحركة لدى مُعَطَّل الحدس السادس المُكتسب عن نعمة الفطنة الملتصقة بذهن السابح وسط بحور مهنٍ لا تليق بمحدودي التكوين الفكري السياسي التقني الثقيل وليس الخفيف ، لحظة صادمة قادرة على تفكيك مخطَّط انصرف صاحبه لبالغ اهتمام صباح مساء كي يتماسك في تنفيذه مع توقعات النجاح الكامل وما قارنه من النصر الشامل يضيف ، أو الفشل الخازن لما أقلّ القليل فيه مُخيف ، ولكلٍ من الخاصيتين موقف ، المفروض معه عدم فقدان السيطرة ، للخروج مِن كلتا النتيجتين بأضعف خسارة ، طبعاً في مثل المواضيع حتى النجاح تتخلله خسارة ، وإن تباينت بين البسيطة والمُركَّبة  تبقى حاجزاً قدَّام تحقيق الغاية المثالية ، أقربها أن ينصفك المسؤول عن جعل هذه الصفة المبدئية سائدة في محيط تدبيره للشأن العام الوطني ، بالتأكيد التضحية لا تتطلَّب المقابل إن تعلَّق الأمر بخدمة مصلحة الوطن العليا ، لكنها فرصة تكون (فيما بعد) لتُسَمَّى الأشياء والوقائع والأحداث بأسمائها الحقيقية ، ويتوصَّل في شأنها كل ذي حقٍّ بحقِّه ، مع كلِّ إضافة أضمُّها لنفس العنوان يفهم مَن يريد الفهم أن الزرع لمن قضي أغلبية عمره يتعب، وليس الحصاد لمن قضاها يلعب .

... سمعتُها توشوش في أذني : "أنا هنا اسمي جليلة حافظ" ، بعدها بدّلت حافظ بعابد ، لتكون "جليلة عابد" ، لا هي الأولى ولا الثانية بل الثالثة التي أعرفها باسمها الحقيقي ، وجذورها الأسرية الأصلية ، قَطَبَت حاجبيها مبدية الحيرة والتعجب في آن ، كنتُ مُلِّماً بما يبدو على محياها من تغيير يساير حالات ، لذا لم تكن من الصنف الذي يُظهر شيئاً ويخفيه في ذات الوقت ، ممَّا يؤخِّر تعاملها مع المطلوب ، ساعة الخضوع للكشف المعمَّق عن الشخصية الأصل والتفريق بينها وأخرى تقمَّصَتها ، لسبب من الأسباب ، سهل بعد ذلك اكتشافه . لم تكن تدري أن الحقيقة للفهم السريع شقيقة ، لَدَى المتيقِّن أن الظروف ، بعضها عن التأثير البالغ مداه موقوف ، حيال القادر على التكيّف المباشر دون إبراز أي تكليف ، ومهما برع الرقيب البشري يضيع مع جزئيات يعتمدها لبلوغ الناتج المعروف . الاطلاع على النظرية لا يساوي إتقان تطبيق ما ترمي إليه لتغيير ولو الجزء البسيط الواضح في كلمة واقع (الجزائر الرسمية في تلك المرحلة من حكم الهواري بومدين المُطلق) ذي الأربعة حروف ، واو الوقيعة  وألف العلّة وقاف القسوة  و عين العذاب بأشد الصُّنوف .

... تعلّمتُ من مدة الإصغاء الجيّد ومتى فهمتُ الجوهر لا استفسرُ عن الباقي ، سمحت الفرصة بذلك أم حضرت وراحت لسبيلها تاركة الرنين المزعج يطارد الهدوء ولو لدقيقة ، حالما التحقَ بنا الأستاذ والموسيقار تيسير عقلة السوري الجنسية ، رئيس جوق الإذاعة والتلفزة الجزائرية ، الذي عانقني بحرارة الصداقة المتينة التي تجمع كلانا على الودّ والاحترام ، فتأتي المفاجأة الثانية حينما قدمت لي جليلة عابد الرجل بأنه زوجها ، فلم أجد غير التهنئة أقدمها لهما معا معبرا عن سعادتي بالحدث . حاولتُ الانصراف فأقسم تيسير أن يوصلني حيث أريد ، فلما أخبرته بإقامتي الجديدة في "لامدراغ" مدني بخبر ما كنتُ أتوقَّع الولوج بفحواه للبند الثاني من مُخطَّطي المُبيَّن سابقاً ، إذ سمعته وهو يقول بالحرف : "اشتغلُ في "لامدراغ" عازفاً لآلة الكمان في ملهى ليلي ، وبالمناسبة ادعوك لتسهر معنا هناك ما دُمتَ تقطن نفس المنتجع".

... وكر الشيطان ذاك الجامع لمريدي المُجون ، داخله بكل التهم مطعون ، والخارج منه مترنحاً شبه فاقداً للوعي ملعون ، مُرغماً وجدتً نفسي ممثِّلٍّاً الانسجامَ رفقة أناس نهارهم بوجه متجهّم عبوس ، يحرسون نظاماً لا فرق عنده إلا لحظة مباركة المخلصين له بترك أيديهم تطال أعناق المشكوك في أمرهم ، تخنق أصحابها في زنزانات التعذيب الجهنمي ،  وليلاً يتراقصون كقش يتطايره ريح المسخرة ، في قاعة لكل أنواع التفاهات مُسخرة . بعد وصلة دامت نصف ساعة أبدع خلالها الفنان تيسير عقلة ما سحر به ألباب الحاضرين بمعزوفات تخلَّلتها فقرات العزف المنفرد الذي أظهر به أنه وريث أنغام أبي الحسن علي بن نافع الموصيلي المُلقَّب بزرياب ، غادر المنصة المخصصة للأركسترا متوجهاً صوب الطاولة المُعدَّة لي بتوصية منه لنتناقش في أمور تتعلق بما كلفته إدارة الإذاعة والتلفزة بإعداد ألحان تصاحب برامج هامة يدشّن بها رئيس الجمهورية إخبار الشعب بسلسلة إصلاحات جوهرية ، لحد اللحظة لا يعرف عنها شيئا ، ملمّحاً لي  ، وهو يلتفت شمالاً ويميناً ، أنني كُلِّفتُ بتأليف نصوص تلك البرامج والإشراف على تسجيلها ، عَلِمَ بذلك والمدير يتحدث هاتفيا بحضوره مع وزير الاعلام ناطقا باسم مصطفى منيع المنكب على إعداد مثل العمل الضخم ، ظناً أنه لا يعرفني ، أو تجاهل وجوده ، أو شيئا من هذا القبيل ، تعمَدتُ تغيير الموضوع بالحديث عن "الحاج محمد العنقةّ" المشتغل في نفس الملهى ، المنهمك في تلك الآونة على أداء أغاني من الفن الشعبي الجزائري الأصيل العتيق ، الذي صراحة لا يليق ترديد قطعه الشهيرة في مثل المكان المتصاعد منه ضوضاء المتجرعين كؤوس صَهْباء الحسن بن هانئ.

... بغتة أقترب مني شخص أعرفه موظفاً بالإذاعة المذكورة ليخبرني أن الأديب العالمي "كاتب ياسين" يرغب في مقابلتي لأمر هام غداً مساء إن أمكن، سينتظرني قرب مدخل المؤسسة في منتصف النهار تماماً ، طمأنته عن حضوري في الموعد المُحدَّد . هنا تيقنتُ أن جهاز المخابرات ورائي تتقصَّى أخباري وتحركاتي أولا بأول ، وأن حلقة أخرى مُضافة لسلسلة تجرني لآخذ الحيطة أزيد فأكثر، وعليّ بتحديد ساعة الصفر للحدث المشهود من ذاك الفجر ، وخيوطه بدت تتسرَّب من علياء ميناء "لامدراغ" الذي توجهنا إليه نحن الثلاثة (العبد لله والحاج العنقة وتيسير عقلة) للتمتُّع بأكل السمك المشوي في وسط خاص ببحارة ، اغتنمتُ الفرصة لأسمع لتوضيحات أحدهم ، اتخذتُها أثمن معلومات حصلتُ عليها بسهولة ما كنت أتصورها أبداً. (يتبع)           

مصطفى منيغ

سفير السلام العالمي

 

المغرب للجزائريين حبيب / الجزء الثامن

المغرب للجزائريين حبيب / الجزء الثامن

الرباط : مصطفى منيغ

اخترتُ منتجع "لامدراغ" لأسباب أربعة منها : نقل إقامتي بعيداً عن صخب العاصمة ، والتخلص من عيون جاحظة لا يود أصحابها مفارقة أماكن أتردد عليها للتمويه لا غير ، وخاصة تلك المقهى الغريبة بروادها المعارضين لنظم بلدانهم ، أعلبهم من تونس وأقلهم من المغرب ، وخليط من الليبيين والسوريين ، المثير للانتباه تلك الحماية البالغة في حقهم ومنها توفرهم على وثائق تبيح لهم الاستقرار في العاصمة كضيوف يتوصلون بإعانات مادية وليسوا كلاجئين سياسيين ، لم يكن يهمنى الأمر أكثر من البحث عن خيط يمهد طريقي لغاية التيقن إن كان لأي من هؤلاء صلة بما يروج عن اختيار السلطات الجزائرية ذوي الحالات المُشابهة لتكليفهم بمهام زرع القلاقل على الجانب المقابل من شريط الحدود بين المغرب والجزائر في نقط معينة تطل على "وجدة" و"السْعِيدِيَة" و"بني دْرَارْ" و"بُوعَرْفَةْ" و"تَنْدْرَارَةْ" و"فِجِيجْ"، إلى أن عثرت على فتاة مغربية من مدينة الدار البيضاء قذفت بها موجة الغضب عن حالة أسرتها الاجتماعية ، لضفة  جزائرية حسبتها طوق نجاة ، فإذا بها  واقعاً أسود أعادها للغرق في يم كادت تفقد وسطه أغلى ما تملك ، لولا إرادتها التي نبَّهتها لمغربيتها التي لا ترضى بالذلّ ولو نقلها لما حلمت أن تكون سيدة مجتمع مستقرة في بيت مشيَّد على الحلال بالحلال ، تلك الفتاة التي استعادت ثقتها في نفسها وحدثتني بأمر فتح ذهني على بدايةٍ المفروض أن تتحوَّل من الغد الموالي إلى جَمْعِ أحجار من العيار الثقيل لتشييد سد يمنع ما ذهبت زمرة الهواري بومدين لتفجير قنوات ماء حار  لم يفطن هؤلاء ورئيسهم أن الضَّرر سيعمّ على الشعب الجزائري بصنيعهم ذاك  قبل سواه . ثمة من اتصل بها قصد إقناع ما أمكن من المغاربة للمشاركة في نشاط عالمي ضخم تشرف علية وزارة العمل الجزائرية ، وأعطاها عنوان قسم كائن في مقر الإذاعة والتلفزة الجزائرية ، لتتصل به هناك ، متى أنهت المهمة ، ولها مكافأة ستسعدها حقاً ، بالتأكيد تعرفت على داك المسؤول وأيضا اختصاص القسم المعني ، تمنيتُ لها النجاح في مهمتها وذهبتُ رافضاً صُحبتها لموانع اقتنعت بها حقاً .

السبب الثاني ، الذي جعلني أختار "لامدراغ" ، عائد لميناء صيد لا بأس به قد يسهِّل اللجوء للانسحاب بواسطة قارب من قواربه وفق خطة مسبقة التحضير ، عزمتُ على وضعها (لفائدة تنوُّع بدائل للنجاة جاعلاً كل الاحتمالات واردة) متى توفرت لي معلومات يملك جلها بحارة الميناء ذاته وبعض من رواده .

السبب الثالث ، وجود ملهى ليلي يتوافد للسهر فيه نخبة من علية القوم وسادة نظام يعوّضون تعبهم في تنفيذ أوامر الهواري بومدين ، بالترويح عن  أنفسهم بكيفية تنتهي بفقدان عقولهم فلا يميزون إن كان حديثهم خارق لحاجز السرية ، أم مظهر من التعبير على مستوى عملهم الوظيفي للاستفادة من المعاملات الخاصة التي لا تحتاج لشرح كي تُفهم .

السبب الرابع ، لأُقنع مدير الإذاعة والتلفزة أنني منهمك (في عزلة تامة ) على استنباط أفكار صالحة تتمحور حولها برامج توعية ، شديدة القدرة على إقناع المواطنين بأن المستقبل ما يفكر فيه نيابة عنهم ، الزعيم الأوحد والقائد الملهم والحكيم النابغة الهواري بومدين .

... أصبح قرار الاستمرار لا يحتمل التأخير تمشّياً مع تصاعد الاستعدادات المضادة المسخر لها كل الإمكانات المالية والموضوع لإنجاحها أكفأ العناصر التقنية وأكثرهم قابلية لتسريع ما يتصورونه نتائج تبهر العالم بما تقدمه من افتراءات على شكل مُشوق تعكسه وجوه حسناوات ، و يتخلله تمويج ألحان من الروعة بمكان ، في قالب من خشب تعاون في إعداد تصميمه أكثر من مهندس ديكور ، المزخرف بأطياف تخطف البصر ، وما يزيد على ذلك من تنوع خارق للمعتاد ، يُبعد المتفرجين عن الشعور بالملل ، إذ من الصعب مخاطبة عقول العقلاء ، بواسطة أباطيل تتواثب داخل بستان مصطنع ، أزهاره من أوراق ملونة ، وخلفياته طاقات بشرية لا يهمها من لب الموضوع برمّته ، إلا التعويضات الزائدة عن حدِّها بوعود إضافية ترفعهم لتحقيق ما سعوا لتحقيق ولو ربعه منذ استقلال الجزائر إلى تلك اللحظة وسلطة بلدهم تمسح بهم أرضية ما تعلَّموه عن اجتهاد لتصريفه في مكانه المُجمَّل بهيبة الحق، بخِرَقٍ مُغَمَّسة في القَار ليعم السواد المتصاعدة منه رائحة تديم لمن استنشقها ، عاهة الندم وألم الضمير طول العمر .

... خلال جولة بين قاعات التدريب والتسجيل شدت أذني نغمة أغنية مغربية لي معها قصة وموقف ، قادني الصدى لمواجهة مفاجأة ، لم انتبه حتى وجدتُ نفسي غير قادر على الانسحاب إذ لمحتني المغنية المؤدية اللحن التي نسيت نفسها ومَن يعزفون وراءها  فاتجهت مسرعة لتعانقني بلهفة وتوشوش في أذني : "انأ هنا اسمي جليلة حافظ ".(يتبع)

مصطفى منيغ

سفير السلام العالمي

 

المغرب للجزائريين حبيب / الجزء السابع

المغرب للجزائريين حبيب / الجزء السابع

الرباط : مصطفى منيغ

وجدتُ الجزائر في تلك الحِقبة امرأة دَهَنَت بالنَّفط شعرها ، لتجلب أطماع الراغبين في ودِّها ، بمقابل يطمعون في الحصول عليه منها ، براميل من الذهب الأسود  ذي الرائحة الناشرة إغراءها ، لصيد مواقف تقبل بأي طلعة منها ، صوب ما تريد داخل القارة السوداء الخاضعة لتيار ثورات تنفض بها غبار ما تحياه من انتكاسات اقتصادية خانقة تقضّ مضاجع حكامها ، امرأة أدخلت طموحها لبرنامج تجميل سطَّره "الهواري بومدين" ينأى عن تَرِكَةِ مَن سبقه للزعامة لغاية التخلص النهائي القطعي من الفكر الناصري ، الذي اعتمده أحمد بنبلة مهيمناً على بلاد تريد فرنسا أن تبقى في محيط ثقافتها حتى في الجزء المؤيد لسياستها الخارجية القائمة على تفريق شمل العرب من المحيط إلى الخليج بدافع فرّق تسود ليبقى الجميع طوع بنانها . امرأة أهملتها قساوة العادات المحافظة على مبادئ لا يكتمل جمال الأنثى إلا بها ، غير الحياء المُبالغ فيه نفاقاً الملجّم للأفواه المكسِّر أي محاولة للتعبير عن رأيها ، لتبقى منعزلة طائعة للأوامر منتجة لأولادها ، أكانت مع عمرو أو زيد لا مشكلة لها ، صابرة على توجيه كبراء الأسرة في سالف كمستقبل عمرها ، ما دام الاستعمار الفرنسي جاثم على قلبها وقلوب أولياء أمورها . بعد الاستقلال وجدت مصيرها متغيّر فما استطاعت كَتْم فرحتها، حيث خرجت للدنيا مبعثِرة طاقاتها ، على هذا وذاك تلبية لهوى صاحب كرسي تربَّع فوقه ليسلب كل حقوقها ، بأسلوب نفَّذه بالتدريج ليلهيها ، ولمَّا وصل الأمر لمعاداة المغرب شعرت أنه طاعن ظهرها ، بخنجر ما فكّرت رفعه على وجه مَن كان أيام مِحنها الطوال قبل وبعد استقلالها ، أفضل وأخلص وأقوى سندٍ لها  .

... تجولتُ بما يكفي لأقارن ما جئت به من معلومات وما استطعتُ إضافته في عين المكان موسِّعاً آفاق تحرُّكي المريح وصولاً لانجاز ما عزمتُ النيّة على انجازه مهما اعترضت تقدمي من عثرات ، قاطعاً المراحل بسرعةٍ لضيق تاريخ الفترة المنتهية بالشهادة فالرحيل عن هذه الدنيا ، أو تمكين الرئيس الهواري بومدين من فرصة تغيير موقفه من المغرب ، علما أن خوض مثل المعارك داخل الجزائر لا يسلم من مخاطر الفشل فتحمُّل أبشع أنواع العقاب المصحوب بالانتقام الأعمى المنعدم الشفقة أو الرحمة  ، لكن التأنِّي المُحكم الارتباط بذكاء التنقُّل بين الوقت المناسب والمكان الأنسب ، يؤهل الاستمرار تحت نفس الغطاء ، لدرجة الشعور بالارتياح ، مع التغلُّب على الغرور "هدية الطبيعة لذوي النفوس الضعيفة" كما وصفته الأديبة الفرنسية "جورج ساند" ، و التمكن من قناعة لا تقل أهمية ، أن الذكي من يقر بوجود من هو اذكي منه بكثير ، خاصة وجهاز المخابرات التابع لأوامر الهواري بومدين يتوفر على عناصر قوية التدريب  مزودة بآخر الآليات التقنية ابتكاراً الحاسبة على الهدف المشكوك فيه حتى الأنفاس ، أما العملاء الخارجين من دائرة الضوء ، فمصيبة أخرى تحتاج لجهدٍ استثنائي لتفادي شرورها الجزئية كالكلية .

... بعد مسلسل "الشيطان" واللقاء الصدفة الذي تمَّ بيني والرئيس الهواري بومدين ، أصبحتُ جذ معروف بين شرائح عدة من المجتمع في العاصمة ووهران وغيرهما من المدن الكبرى ، من تلك الشرائح  نخب ميادين شاغلة وظائف مهمة في الدولة ، والمنضوية بعضها تحت لواء جمعيات ، أكانت ثقافية التوجه  فنية الميول ، أو سياسية تحاول الإقلاع بمنظور مؤيد للنظام ، باستثناء أقلية معارضة بقيت وفية لأحمد بنبلة الموضوع في اقامة جبرية منعزلا عن العالم بأمر شخصي من صديق دربه الهواري بومدين .

 ذات صباح اتصل بي أحد مساعدي المدير العام للإذاعة والتلفزة الجزائرية  طالبا مني مرافقته للوقوف على أمر يخصني ، لبيت الأمر بكل سرور وتبعته لغاية مكتب أدخله لأول مرة يمثل محور تلك المؤسسة بواسطة مدير متمتع بصلاحيات تنفيذية مرتبطة بكل الاختصاصات الإعلامية الملونة بإرادة رئيس دولة ، يريد بواسطتها أن يكون الكل في الكل 24 ساعة على 24 ساعة ، وما يتطلبه الفاعل من مجتهدين ومبتكرين وأصحاب أفكار تبسط المطلوب بما يقرّب لعقول المواطنين ، بما يُذاع صوتاً أو يُرى صورةً ما يبذله الرئيس من مجهود لخلق دولة معاصرة قوية تليق بجزائر القرن العشرين الذائعة الصيت لدى المحافل الثورية عبر العالم ، ذات الكلمة المسموعة وبخاصة في دول عدم الانحياز والعديد من الأقطار الأسيوية وبعض الدول العربية ، بتحفظ يخفي ما يقلل من عدم اهتمام بالأخيرة لأسباب سأتطرق إليها لاحقا . رحَّب بي السيد المدير بكلمة مدح جعلتني أتأكد أن مسلسل "الشيطان" أدى أعظم دور خدمة للشخصية التي أصبحتُ مميَّزاً بمكانتها في عالم الكتابة الهادفة للتأثير الإيجابي على المجال السياسي صلب تدبير الشأن العام في بلد حديثة العهد بالاستقلال ، طبعاً السيد المدير لم يقتصر على إبداء رأيه في عملي السريع التقدم لما أحظى به من تقدير مُشرِّف ، بل نقل لي رغبة الرئيس الهواري بومدين أن أتولَّى إنتاج برامج تهدف شرح مضامين الثورات الثلاث المصاحبة انبعاث نظام جديد ، ينقل جزائر الحاضر إلى جزائر المستقبل ، بواسطة شجرة تدبير متكامل التنظير والتطبيق ، بفروع ثلاثة : الثورة الثقافية ، والثورة الصناعية ، والثورة الفلاحية ، وقد كُلّف أن يزودني بكل الدراسات المعمولة من طرف خبراء ، كل في مجال تخصُّصه وأيضاً ملاحق  تفصيلية مع وثائق أخرى تكميلية ، المطلوب مني قراءة كل مضامين مثل الملف الضخم الذي وضعه بين يداي للخروج منه بمشاريع برامج تذاع صوتا وصورة وفق ترتيبات زمنية سنحددها فيما بعد ، المهم أمامي أسبوعا واحدا لا غير ابتداء من الآن كي نلتقي في اجتماع خاص للاطلاع على نتاج اجتهادي في الموضوع ، وأخيرا أبلغني بوضع الإدارة كل احتياجاتي المادية وغيرها تصلني أولا بأول ، وإن احتجتُ لإضافات أخرى ما عليَّ إلاَّ الاتصال به  شخصياً ، مماَّ يجعل إقامتي مريحة وتنقلاتي مهما كانت الوِجهة فورية ، وقبل أن يودّعني بأدب جم ،  التمس مني أن أبقِي الموضوع برمته في طي الكتمان وشروط السرية المُطلقة. (يتبع)   

مصطفى منيغ

سفير السلام العالمي

 

المغرب للجزائريين حبيب / الجزء السادس

المغرب للجزائريين حبيب / الجزء السادس

الرباط : مصطفى منيغ

المُتحدث عن الجزائر من الواجب عليه التوفّر على شروط يتجاوزها حتى التِّعْداد الخاص التالي :

-عاشراً ، أن يكون مُدركاً عمق الإقبال وفي هذا الظرف بالذات والبلدين المتجاورين بحكم الطبيعة والتصوير من الفضاء ما لا يتركا أدنى شك أن مدينة "بور سعيد" مجرَّد امتداد لمدينة "السْعِيدِيَّةْ" و خلفية لا يحدها سوى حُكم بشر دون الدخول في تفاصيل أخرى ، انطلاقاً من "عين الصفراء" إلى "بني وِنِّيفْ" إلى "زُوجْ بْغَالْ" ، أصحاب الأراضي المعنية لا يخفى عليهم سر ما أقصد ، خاصة إن كان المُتحدِّث كما سأفعل يعتمد الحياد الايجابي الذي لا تسوقه العاطفة الجوفاء في تفضيل هذا الجانب على ذاك إلاَّ مُدافعاً عن الحق متمسِّكاً بإنصاف كل الزَّوايا وإن كانت إحداها سياسية بالطبع .

- تاسعاً ، أن يكونَ دارساً لتاريخ الجزائر قبل وبعد الاستقلال ، خاصة وأن الشعب الجزائري لم يقف ولن يفقد مقومات تشبّثه بما يلج في خصوصياته الفريدة من نوعها ، حيث العقلية المتوارثة جيلاً بعد جيل ، ونكهة اللغة المُخاطِب بها عربية عامية أو فُصحى كانت ، أو أمازيغية قبائلية بلُكْنَةٍ لا تتكرّر إلاّ في الجزائر طولاً وعرضاً  ، وتلك هوية أراد الاستعمار الفرنسي على امتداد قرن  و نيف طمسها ولم يجد لذلك سبيلاً ، وقبل الفرنسيين حاول الأتراك ذلك ولم يتركوا غير ألقاب وأسماء أعظمها تبدّدت من تلقاء نفسها ، وأخرى ما أن عثرت على موقع قدم أكتفت برسمٍ للذِّكرى لا أقلَّ ولا أكثر .

- ثامناً ، أن يكون مُختلطاً بصيغة المستقبل ، مع المجتمع الجزائري شمالاً وجنوباً شرقاً وغرباً ، مؤهلاً لذلك انطلاقاً من "كان" الماضي ، ما دامت المسافة بينهما تتواصل بمتابعة يومية يغوص الفكر أثناءها مع ما يجري على أرض الواقع لإنتاج إجابات على " لما ، ومتى ، وكيف؟؟؟" ، واضعاً في اعتباره أن  مدن "وَرْكْلاَ" و"تلمسان" و "وهران" و"عَنَّابَةْ" و"سيدي بلعباس" ، جزائرية كعشرات أخريات مزروعة على خريطة الجزائر ، لكلٍ منها خاصية تميِّزها عن شقيقاتها بما يضفي  جمالية موقف كل واحدة منهن على حدة ، أو معلمة جليلة ترمز لعبقرية ما ، تصارع الزمن لجدارة ما تمثله حقاً ، لتظل شاغلة حيِّزا في موروث ثقافي شعبي داخل محيط نظيف من شوائب التقليد الأعمى المستورد من بلاد لا تعترف بالأصالة الأهلية المحلية ، ولا تحترم البداية.

- سابعاً ، أن يكون على توافق أكيد مع ضميره ، ما دامت كتاباته مَبنيَّة على ضوابط علمية ، وأسس قواعدها عليمة بمصادر تشييدها مرجعاً موثوقاً فيما يكتنزه من معلومات صادقة المضامين ، متكاملة الدلائل ، واضحة الحجج ، تخص ركناً من أركان يحيا الإنسان معها ، يستنبط منها الدفاع عن عالمه الخاص ، لترسيخه كأمانة حَمَّل إياها عند الاقتناع  عن إيمان، السَّلف الصالح للخلف الطامج ، مدوّنة في وثيقة لا يحصرها زمان ولا يضبطها تبار سياسي دون آخر ، منطلقة عبر الهواء المُستنشق والشعور بالكرامة كأهم احتياط  مُصان داخل وجدان تربَّى صاحبه على قناعة أن الأمس كاليوم كالغد لا يساوي في الجزائر أية قيمة مَن فرَّط في "العمامة" الجزائرية المشهود برونقها ، وذاك "الجلباب" الذي زاد الأمير عبد القادر الجزائري البطل هيبة على هيبة ، وهو يرتديه مندفعاً في شجاعة نادرة ، يخاطب الند للند قادة اعتي قوة استعمارية آنذاك فرنسا ، أن للرجال الشرفاء الأحرار في الجزائر هدف أسمى إما المَجد أو اللَّحْد.

... ما تبقَّى من شروط لا تعتني إلاَّ بإشكالية التحاور انطلاقاً من إدراك مُفصَّل بمعلومات صحيحة عن مضمون عقليتين وما تنحصر فيهما بعيداً عن بعضهما البعض من خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها بالمُطلق إن الوسيط الدبلوماسي (ومن الطرفين) عديم المعرفة المعمَّقة بما هو مقبول لديهما معاً .

... وصلتُ والخيوط الأولى لفجر يومٍ لن أنساه ما حييت ، رحَّب بي خلاله القدر لأدخل في أمن وسلام المدار الحضري لمدينة "للامغنية" ، وحتى أصل لأبعد نقطة عن الحدود ، فكرتُ في مواصلة الطريق صوب مدينة "سيدي بلعباس" حيث أقمتُ فيها لأستريح داخل بيت أحد الشرفاء المُشيَّد فوق مسجدٍ ، بتوصية من صديق جزائري يقطن "عين بني مطهر" ، بعد ثلاثة أيام كنتُ وسط العاصمة أسأل أحد المواطنين عن عنوان مقر الإذاعة والتلفزة الجزائرية ، فلم يكتفي بالإشارات المعهودة أتمِّم على إثرها مسيري إلى الموقع الهدف ، بل ألحَّ عليّ أن يوصلني بسيارته لغاية مدخل تلك المؤسسة ، لمَّا علِم أنني مغربي غريب عن الديار ، لم أكن أعرف أحدا ً، بل تركتُ حارس الباب أن يُرشِّحَ لي أحد المسؤولين لأتناقش معه ، عسى أن يكون لي نصيب في وظيفة تُمكِّنني من الإقامة رسمياً في تلك العاصمة ، التي سبق أن سمعتُ عنها الكثير موقعاً وتاريخاً وبيئةً ومجتمعاً ،وما يدخل في سريَّة معلومات عن أجهزتها النافذة وهيكلتها البشرية ، وعن بعض مغاربة وجدوا فيها ملجأ يحمي توجّههم الجديد ولو لحين ، وما هي إلاَّ لحظات حتى وجدت نفسي وجهاً لوجه مع الرجل الثاني ، من حيث النفوذ المُخَوَّل به أن يلحقني بتلك المؤسسة الإعلامية العملاقة أو يقطع علىَّ الطريق ، يتعلّق الأمر بالأستاذ عبد القادر نور الذي مدَّ لي ورقة بيضاء وقلم حبر أحمر ، طالباً مني أن أكتبَ خاطرة أو أي شيء يبني بعد القراءة قراره في حق طلبي بالرفض أو القبول ، كانت لحظة رغم قصر زمنها ، حسبتُها طويلة ومقلقة للغاية ، ساد أثناءها صمت غريب انتهى بتحقيق غاية شكَّلت في الواقع أول خطوة اقطعها داخل تلك البناية المكونة من طبقات ثمانية ، الكائنة بشارع الشهداء رقم 21 بالعاصمة الجزائر ، لم يكتفِ الأستاذ نور بإبلاغي قرار الموافقة بل اصطحبني لقسم شؤون العاملين لأوقِّع داخله على عقد عمل رسمي ، وأتوصل بمبلغ مالي محترم تحت الحساب .

... دفعة واحدة شعرتُ براحة لم أعهدها منذ مغادرتي وجدة ، فسلّمتُ أمري لنوم فوق سرير ناعم وثير في حجرة لها قيمة الأناقة المتناغمة مع نزل له فخامة حضور تاريخي لنزلاء لهم وضعية الرّيادة كل في تخصصه ، دخلته ولا أملك غير ما ارتديه من ثياب بلَّل أجزاء منها عرق تعب المسير الممزوج بخوف من مصير مجهول يبدأ صاحبه من الصفر بطموح امتلاك الدنيا ، انتبهتُ جيداً لنظرات الفاحصين أصحابها منظري الذي يقربني لمسؤول ما ، متنكر في ذاك الهندام لأسباب ما ، ساعدهم على هذا التصور مرافقي المكلّف بإتمام إجراءات الإقامة في تلك المؤسسة الفندقية ، الظاهر أنه معروف لدى البعض من تلك الطبقة المحسوبة على حكام الدولة الجزائرية. (يتبع)

مصطفى منيغ

سفير السلام العالمي

 

المغرب للجزائريين حبيب / الجزء الخامس

 

المغرب للجزائريين حبيب / الجزء الخامس

الرباط : مصطفى منيغ

المغربي في انتمائه لبلده مغربي يبقى  حتى وهو يحيا أدقّ الظروف وأخطرها على حياته ، يستَصغِر الصِّعاب ، ويفتِّت سماكة اليأس ، ويُبخِّر هواجس الخوف   ليندثر من حياله بلا هوادة ، فيزرع بدلاً منه في كل خطوة إلى الأمام ،  بصمة الرجولة الموروثة عند المغاربة أبا عن جد ، وحينما أعود بالذاكرة لتلك المواقف الرهيبة ، أفهم عمق الحب الكبير الذي يحمله الإنسان لوطنه ، فلا الشَّدائد تصرف المُخلِص عن مُبتغاه ، ولا العذاب ينسيه استمرارية النضال ، ولا المغريات المادية تقدر على إيقاف الواهب كيانه ووجوده فداءً لوطنه . قمنا بواجبنا ونقشناها جملة مقروءة على جبين الجزائر الرسمية "المسيرة الخضراء" ، حينما أرادتها هذه الدولة برئاسة الهواري بومدين ، والمعزوزي وزير العمل ، وكاتب ياسين الكاتب المسرحي والأديب العالمي ، ومن خلفهم أجهزة ثلاث ، لتكون " مسيرة حمراء" . الهدف تجلَّى أقوى وأمتن خارج الوطن إذا كانت المبادئ راسخة في الوجدان والعقل متحمِّس لمواجهة كل المغريات بما يحتفظ من عهود هي أساس هذا التَّرابط وهذا التّلاحم بين المواطن ووطنه ، والمسيرة الخضراء كامنة عظمتها في منح الفرصة الثمينة لجيل ما بعد الاستقلال ليخَلِّد اسمه في معركة استرجاع جزء من أرض الوطن، كما خلَّد جيل ما قبل الاستقلال اسمه في معركة طرد المحتلين الفرنسيين كالإسبان من أرض نفس الوطن .

ما عاشه البعض منا نحن المغاربة في تلك الديار  الجزائرية التي بقدر ما احترمناها وأحببنا أهلها ، كانت تخفي بين جنباتها أناساً تنكَّروا للجميل وحاولوا جرّ بعض ضعَّاف العقول ومرضى النفوس إلى إلحاق الضَّرر بكل رابطٍ منَّا مصيره بمصير وطنه المغرب ، أو أظهر تدمّره عمّا يُحاك في الخفاء من أعمال أقل ما يُقال عنها أنها منافية لتضحيات الشهداء المغاربة الذين ضمتهم التربة الجزائرية وهم يدافعون عن حرّيتها وانعتاقها واستقلالها .

إنها الصورة الحقيقية للكفاح المرير الذي خضناه نحن بضع مغاربة في الجزائر مساهمة منا في تلبية النداء الملكي للمشاركة في المسيرة الخضراء المظفرة ، أسترجعها اليوم وكأنني أعيشها من لحظات فقط متضمّنة حقائق تُنشر لأول مرة ، تضع بعض النقط على بعض الحروف ، لكل مقصد نبيل وتبيانا لما طُمِس لأسباب عرفتُها بمصادرها والمستفيدين منها ، حتى يأخذ تاريخ القضية مجراه الطبيعي ويتخطَّى التوقف عند الخطوط العريضة متوجها لفروع تعطي لكل ذي حق فيها حقه لا أقل ولا أكثر .وجدتُ نفسي وحيداً بعدما ودَّعت آخر شبر من التراب المغربي في اتجاه "للامغنية" أول خطوة لي في البلاد الجزائرية الشاسعة الأطراف ، أواجهُ سكوناً لا يعكِّر صفوه إلا هبوب ريح ينبئ بمقدم ليلة ماطرة باردة الطقس ، وكم هو صعب قطع أي مسافة مشياً على الأقدام ، صاعدا هضاب بلا أنيس أحتمي بدفء الدردشة معه في مثل المواقف العصيبة ، وطرداً لكل صورة يلتقطها الخيال وقد أمسكت بي دورية شرطة الحدود أو درك أو عناصر من الجيش الجزائري في تلك الفيافي شبه القاحلة إلاّ من دُورٍ متواضعة منتشرة هناك على مرأى البصر يتجاهلها كل مارّ مثلي تفادياً للمساءلة المتبوعة بما لا يُحمد عقباه ، وحتى أشغِل نفسي بأي شيء أستأنس به في وضعيتي تلك ، تذكرتُ القائد الراشدي العلوي (الكاتب العام لعمالة إقليم مولاي يعقوب ، وعامل إقليم أزيلال سابقا) وهو يسألني داخل مكتبه بمقر باشاوية وجدة ، حينما أخبرته بتوجهي للجزائر،عن السبب الذي جعلني أفكر في القيام بذلك ؟؟؟، ابتسمتُ وقلتُ له بالحرف الواحد : " قد أعود يوماً ما من هناك وأطلعك بجواب قد ينفعك مستقبلاً فيهديك لمعرفة أن المغربي المؤمن بقضية تخدمه وبلده إذا عزم على شيء ليس بمقدور أحد منعه سوى خالقه " . كان القائد الراشدي شاباً أنيقاً معتزاً بنفسه جد مقرَّب للباشا بنعودة عصمان الشقيق الأكبر والأب الروحي للسيد أحمد عصمان  الوزير الأول السابق ، ممَّا أعطاه حضوراً على صعيد السلطة المحليَّة ، مَن رَضِيَ عليه أصبح مطمئناً ، ومن ضايقه بسماع مباشرٍ لمثل الكلمات التي واجهته بها ، عليه أن يحتاط من أي غضب قد يشمله ، لكنني أكبر من ذلك بكثير ،  لا يهمني إلاَّ ما أُظهِرهُ أو أخفيه من مواقف أتخذها عن حق ، والأيام كفيلة بإنصاف تلك المواقف وجعلها نبيلة تستحق الإعجاب والاحترام . لم أشعر بالعياء لكن القلق ازداد بازدياد الظلام الكثيف مانعاً الرؤية الواضحة لاجتياز أنسب المسالك ، حتى وإن تدربت في قرية "عين بني مطهر" على المشي ليلاً وفق مقاييس معيّنة ، إذ الجو ما كان مُسعفا ولا معترفاً ، لا بتقنيات المشي ليلاً ولا بخرائط ، المهم لا مناص من الحالة إلاَّ بالصبر والتبات والتضرُّع إلى المولى جلَّ وعلا ، وبالتالي عدم التوقُّف عن المسير ، وأن اتخذ البطء وسيلة بصلابة إرادة لا تُقاوَم .

...قبل الاسترسال استرجاعاً لتلك المواقف المشهودة في حياتي خدمة لوطني المعرب ، مع التدقيق قدر المستطاع في وصف الأحداث التي تعرَّضتُ لها ، وفق منظور صادق يقرِّب الأشقاء بعضهم لبعض ولا يُفرِّق ، إذ الشعب الجزائري في نظري المتواضع شيء ، ونظامه المُتحكِّم مُطلقا المُدبِّر شأنه العام محلياً ودولياً شيء ثاني تماماً ، هناك استثناءات لكنها تبقى بسيطة غير مؤثرة في غالبية الشعب ، أصحابها أناس  تجاهلوا النضال البطولي المرير الذي خاضه المغاربة الأحرار ، جنباً لجنب مع المجاهدين الجزائريين الأبرار ، ضد المستعمر الفرنسي المشترك لبلديهما . ربوع "وجدة " وهذه الطريق التي أقطعها في اتجاه "للامغنبة" في مواقع كثيرة منها ، حافلة بما يرمز لتلك المرحلة التي أتمنى أن لا ينساها كلا الطرفين ، إذ مصيرهما لا زال مشتركاً وسيظل . الإنسان مهما بلغت قوته لن يستطيع تغيير الجغرافية ، ومَن يعرف المنطقة مثلي يصعب عليه التفريق بين هذا مواطن مغربي وذاك جزائري.(يتبع)

مصطفى منيغ

سفير السلام العالمي

المغرب للجزائريين حبيب / الجزء الرابع

 

المغرب للجزائريين حبيب / الجزء الرابع

الرباط : مصطفى منيغ

تنفيذ ما فكرتُ فيه يحتاج لحدوث مُعجزة لضمان نجاحه بالكامل ، وإقناع الرئيس الهواري بومدين أن المغاربة المقيمين في بلده شيء آخر عكس ما يصفهم به في جلساته الحميمية ، قادرون متى شاؤوا وضع حد لما طفح على سطح يظهر للمتتبعين جسامة الهجمة المُخطَط لها لتستمر زمناً كافياً لترسيخ عداء متطوِّر يجعل من المغرب خطراً على الأمن القومي الجزائري ويجب التنغيص على وجوده مرحلة بعد أخري ولكل منها خطاب يناسب شعوب دول افريقية بعينيها بإضافة  بعض الفرنسيين المتحمسين لإتباع ما يجعلهم أقرب للنظام الجزائري بتكتيك ابتدعته أجهزة فرنسية خاصة مهمَّتها الحصول على المعلومات من مصدرها مباشرة لتتعامل الدولة الفرنسية على ضوئها في استخلاص مواقف أحياناً مُعلنة  تخدم مصالحها لا غير . الهواري بومدين مُغرم بالدعاية كان يميل لتقليد ماوتسي تونغ في هذا الشأن، بلغة يفهمها الشعب الجزائري دون اكتراث أغلبيته بالمصدر المقتبس منه مضامينها ، مع انحيازه تارة أخرى لطريقة فديل كسترو زعيم كوبا الشهير ، في تحريك الإعلام لترديد نفس الأسطوانة ، ليرتبط الشعب بحقيقة واحدة ، أن كوبا هي كاستروا ، وكاسترو هو كوبا ، ولا شي بينهما إلا استمرار تطبيق تعاليم العداء لأمريكا ، تماما كما شرع في انجازه الرئيس الجزائري تعميما لشعار : الهواري بومدين هو الجزائر ، والجزائر هي الهواري بومدين ، وما بينهما سو ى تطبيق تعاليم العداء للمملكة المغربية .

... بداية عزمتُ على تكسير التوجه الإعلامي الرسمي بإحياء لغة الضاد داخل الإذاعة الجزائرية ، فكان مسلسل "الشيطان" الذي ألفتُهُ لتنتجه نفس المؤسسة الإعلامية الهامة ، في حلقات ناطقة باللغة العربية ، الجامع كل الممثلات الجزائريات والممثلين الجزائريين العاملين في ذاك الجهاز، والمخصَّص له ميزانية تتمشَّى ومتطلبات نجاحه ، وآليات لتسجيل مؤثراته الصوتية الروسية الصنع التي وفَّرها "استديو" شارع لاَ رُوشْ بادارة الأستاذ  أحمد بولعواد ، وإسناد مسؤولية الإخراج للأستاذ الكيطاري التونسي الجنسية . في تقرير سري تمكنتُ من قراءته بوسائلي الخاصة رفعه جهاز المخابرات الجزائرية لرئاسة الجمهورية ، ما تشير إليه  بعض الفقرات التالية المترجمة عن الفرنسية نقف على ما يلي  :

" مسلسل "الشيطان" لكاتبه المغربي مصطفى منيغ جعل العديد من شوارع العاصمة تبدو شبه فارغة خلال ساعة إذاعته ، ويشكِّل الأمر ظاهرة أعادت للإذاعة الوطنية قوة الحضور الإعلامي بشكل ملفت للنظر . المسلسل سياسي في الدرجة الأولى يهدف لتغيير العقلية المسيطرة بأخرى أكثر ملاءمة مع جزائر الديمقراطية والتمتع بالمساواة بعد كفاحها لطرد المستعمر وحجم التضحيات الجسام البالغة المليون ونصف المليون من شهداء خيرة الشعب الجزائري ..."، حقيقة لم يكن هذا معبراً في العمق عن الفكرة الأساسية المشيّدة للبناء الدرامي المُصور بإيحاءات فنية مندسَّة بأسلوب مبتكر جديد خلف حوار يحتاج لذكاء المُتلقِّى حتى يفهمَ المكنون   عن الحالة الإدارية للنظام في الجزائر ، لذا بقي السؤال يُطرح بعد الانتهاء من إذاعة المسلسل في حوارات مفتوحة مع مثقفين وبخاصة المسرحيين منهم ، عن مقاصد المسلسل بتقديم شبح غير مرئي متحكم في كل شيء . لم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل بلغ ما شجعني على الاستمرار في تنفيذ خطتي التي يحتاج نجاحها إلى حدوث معجزة كما ذكرت سابقا ، فبعد انتهائي من مناقشة مطولة مع الأستاذ الشيخ الدحاوي ذي المرتبة الموقرة والحضور الوازن داخل الإذاعة و التلفزة الجزائرية ، تخص المسلسل الجديد "الحقيبة السوداء" الذي رغبت في تقديمه لإذاعة وهران تحت إشراف مديرها ، رغبتُ في احتساء كوب قهوة ، اتجهت للمصعد الرئيسي وضغطت على زر التوقف ، ولما فُتح الباب لم تصدق عيناي ما ترى ، الرئيس الهواري بومدين مرفوقاً بآخرين يشير إليَّ بالدخول ومصاحبتهم حيت مقهى ومطعم المؤسسة ، وهناك طلب منى الجلوس معهم وسط استغراب الحاضرين ليسألني : ماذا تقصد بالشيطان في مسلسلك ، لقد تتبعتُ حلقاته بالكامل فلم اعثر على أثره هل اعرف من يكون بواسطتك كمؤلف للعمل ؟.أجبته بهدوء واختصار لم يكن يتوقعه : قد يكون الآن بيننا ، ولا أحد يعرفه . نهض وانصرف وهو يوجه لي الكلام : سنلتقي وبصحبتي الشيطان مقيّد اليدين .(يتبع)

مصطفى منيغ

سفير السلام العالمي

كتاب طبطبة الأحزاب

  كتاب طبطبة الأحزاب تطوان : مصطفى منيغ دكاكين مختصة بعضها في تجارة السياسة الحزبية ، سلع شاخت داخلها تتصاعد منها روائح رطوبة تبعد أنوف ...